✍️ لسفير خالد موسى دفع الله يكتب :
غيبوبة العقل السياسي و انطماس تجلياته الفكرية 1

من يطالع مقال الدكتور ابراهيم البدوي الموسوم ( الدروس و العبر المستفادة من خطاب رئيس الوزارة) و مقال الدكتور امجد فريد في مجلة ( فورن بوليسي ) الامريكية،
بعنوان To safeguard Sudan’s Democratic transition act now
يلامس اثرا من غيبوبة العقل السياسي،
و كلاهما كتب مقاله تعليقا علي استقالة حمدوك في محاولة لايجاد مقاربة سياسية للخروج من الازمة الراهنة.
اذا اخذنا في الاعتبار ان المقالين ضمن اجتراحات النقاش الوطني من قبل الصفوة السودانية في محاولة للتوصل الي مقاربة سياسية للخروج من الازمة الراهنة، و تدخل قبلهما الدكتور الواثق كمير و الاستاذ المحبوب عبد السلام ناصحين رئيس الوزراء بعدم الاستقالة.
هذه المواقف الاربعة التي عبر عنها الواثق و المحبوب و البدوي و امجد تلخص- كما اراها- غيبوبة العقل السياسي و انطماس تجلياته الفكرية، و كل من هؤلاء علم في مجاله فذ في تخصصه.
يمثل د. الواثق كمير و الاستاذ المحبوب عبد السلام تيارا فكريا ليبراليا غير متحزب، لذا نصحا حمدوك بالتباعد عن الاستقالة لأنه يمثل للتيار الليبرالي بارقة امل في ان يكمل مسيرة التحلل من ممسكات الدولة التاريخية السودانية التي تقاوم مشروع الليبرالية الجديدة ، و تستقي من ارث دولة سنار التي تحتفي بالتنوع لكنها تحفر عميقا في مجري الثقافة السودانية الرئيس المتمسك بطبقات جذوره في الثقافة العربية الاسلامية و لسانه الهجين و تنوعه اللغوي و العرقي . لذا نظرا لحمدوك باعتباره سادن مشروع الليبرالية الجديدة و ليس مجرد رئيس وزراء يقود الجهاز التنفيذي لانفاذ مشروع التحول الديمقراطي
لكنه رأي الرمح في الهندسة السياسية و الاجتماعية الجارية. و عبر خطاب الواثق و المحبوب عن مخاوف حقيقية من انفراط العقد السياسي الذي يمثل حمدوك واسطته في اتون تناقضات و استقطاب حاد يكاد يعصف بتماسك ما تبقي من الدولة السودانية. و خطأ السردية السياسية الكبري للواثق و المحبوب – حسب ظني- ليس خيار اللحظة الشكسبيرية حسب تعبير المحبوب، لكن اختزال عملية الانتقال السياسي و التحول الديمقراطي في بقاء شخص حمدوك، و كأن مغادرته تعني غياب لحظة الالهام العبقري بتحقيق الانتقال و هما ادري الناس بعجزه السياسي و ضعف قدراته القيادية. ان عملية و صيرورة الانتقال process هي التي يجب ان تحظي بالاهتمام من حيث بناء المؤسسات و الآليات و توفير اشراط النجاح اكثر من الاهتمام ببقاء شخص واحد مهما بلغت اهميته السياسية و رمزيته المعنوية للمشروع.
الواثق كمير المحبوب عبدالسلام
اما البدوي و امجد فريد- فكلاهما متحزب الاول انصاري قح و حزب امة اصيل، اما امجد فهو ماركسي بالرضاعة و ليبرالي متحول بالسياسة.
لا تثريب علي الدكتور ابراهيم البدوي و هو يتبني نظرية ما اسماه الظاهرة “الديمغرافية الاجتماعية السياسية” اي ( الفعل الثوري الشبابي) كمركز للتغيير بإعتباره الكتلة الحرجة التي تقود التغيير ، و ان المشروع الوطني للخروج من الازمة يجب ان يرتكز علي هذه الحقيقة التي اسماها ( الثابت)
وان تدور بقية المفردات الاخري حول هذا الثابت الذي افرزه الحراك الشبابي.
و يعاني البدوي من رومانسية مفرطة في النظر للحراك الثوري الراهن ، اذ ركز ادوات تحليله علي ما اسماه الظاهرة الديمغرافية الاجتماعية السياسية، لكن بالنظر الواقعي الفاحص فإن مكون الشباب لا يمثل ( الكتلة الحرجة) التي يمكن ان تقود التغيير. لأنها تعاني من سيولة عالية في التوجهات و الافكار و تناقضات الانتماء الطبقي. بل هي ظاهرة حضرية محضة يكاد ينعدم امتدادها الطبيعي في ارياف السودان الممتدة. و في داخل الحضر فهي تنتمي الي وسط المدن الثلاث الخرطوم و ام درمان و بحري.
و تحمل هذه الكتلة الشبابية تناقضاتها الطبقية في داخلها لانها تحمل تطلعات الطبقة الوسطي إلا إنها تفتقد جذورها الاجتماعية و نضجها التاريخي.
الشباب كظاهرة ديمغرافية هي حقيقة اجتماعية تغطي المنطقة العربية و الافريقية وليست ظاهرة استثنائية مرتبطة بالسودان فقط. و قامت الثورة المصرية و التونسية بدفع من تضحيات هؤلاء الشباب خاصة ايقونة الربيع العربي البوعزيزي الذي جاء يحمل شعلة غضب من الريف و الطبقات الفقيرة ..لكن الي اين انتهت؟
الافتراض ان الشباب الثوري في السودان اكثر وعيا و نضجا يمكن ان يكون منطقا مقبولا للوهلة الاولي لكنه سرعان ما يتهاوي تحت النظر الفاحص. لان البدوي في مقاله المذكور يريد للشباب الثوري ان يكون بديلا للاحزاب و يتصدر الفعل السياسي، و علي بقية الفاعلين السياسيين و الاجتماعيين ان يحوموا حول مركز هذه الدائرة.
لا شك ان نظرة البدوي نظرة حالمة طوباوية، لان الشباب الثوري هو طاقة الفعل المقاوم و حملة التغيير، و يمكن ان يشكل قادة هذا الحراك جزء من الطليعة السياسية التي تصنع التغيير لا ان تقوده لوحدها. لكن الكتلة الشبابية بقضها و قضيضها لا يمكن ان تكون بديلا للاحزاب التاريخية لانها تفتقد التنظيم و النضج و القيادة و الرؤية، لكنها يمكن ان تكون جزءً فاعلا في الطليعة التي تتشكل في الفضاء السياسي و الاجتماعي الراهن. هذا التفكير سيحول كتلة الشباب الثوري اما الي ( طائفية حديثة) بدافع الهوية و الولاء لا الجذور الاجتماعية، او طبقة سياسية جديدة بفعل الامتياز الثوري. و هذا بؤس في الاستثمار الخلاق لهذه الطاقة الناهضة. فبدلا من تجميدها في هذه اللحظة التاريخية يجب ان تتحول الي فيض غامر من طاقة التجديد و التطلع للتغيير و الحيوية في كل شرايين المجتمع، و ان ينداح هذا الفيض لينضم هؤلاء الشباب الي الاحزاب و العمل السياسي المفتوح و منظمات المجتمع المدني و غيره من وجوه النشاط العام و آليات التغيير.
منهج دكتور البدوي في اختزال الحراك الثوري و بناء مركز ثابت للشباب تدور حوله بقية العناصر سيقود الي بناء فئوي جديد، يعزل تلقائيا موازين القوي الفاعلة الاخري ذات الطابع التقليدي و القوي التي افرزتها دورات الصراع السابق بشقيه السياسي و المسلح. و الاخطر هو توجيه طاقة الشباب كأنها هي المعادل الموضوعي لمواجهة مشروع العسكر الاستبدادي، مما يجعلهم وقودا للمحرقة لا طاقة متجددة للتغيير.
ان مناهضة اي مشروع استبدادي لا تتصدي له فئة مهما بلغت قوتها وحيويتها بل هو فرض عين علي كل القوي السياسية و الاجتماعية و الثقافية ، و يتباين الناس في كسبهم وقدرتهم علي المناهضة و التصدي.
كما ان هذه الكتلة الشبابية الثورية ظلت محل مقايضات سياسية حيث يشكل مشروع الحزب الشيوعي في تنظيمها و صياغة شعاراتها و ادبياتها و شحنها بالروح الثورية النيوليبرالية الاثر الابرز، و يتباري كثيرون في المكون المدني و العسكري لتوظيف هذه الكتلة لمشروعات سياسية بديلة او موجودة في الساحة رغم انها اثبتت فشلها التاريخي. و بهذا التكتيك لا تعدو ان تكون واجهة ثورية جديدة لمشروع سياسي قائم بالفعل علي ارض الواقع.
لا يشبه هذا الواقع الشبابي الثورة الصينية التي بدأت بالريف و الثورة الثقافية رغم الخيبات اللاحقة و لا الثورة الكوبية التي قامت في وجه مشروع امبريالي سافر و متوحش. ربما يكون مشروع الثورة السودانية انتج ( شي جيفارا ت) كثر و ايقونات عديدة، و رغم انه متشرب بروح الثور الوثابة و التطلع للتغيير لكنه يفتقد المشروع و الرؤية و الحس التاريخي و ربما الوعي بمطلوبات المرحلة و معرفة سنن التغيير سنانا او جنانا. لان الثورة التي تقتلع الباطل و تعجز عن اقامة الحق هي فوضي و ليست ثورة.