هل فضحت الرمزية ما حاولت السياسة إخفاءه؟د. ميمونة سعيد آدم أبورقاب

هل فضحت الرمزية ما حاولت السياسة إخفاءه؟

د. ميمونة سعيد آدم أبورقاب

في لحظات الصراع الكبرى، تتحول التفاصيل الرمزية إلى مؤشرات سياسية لا يمكن تجاهلها. ومن هذا المنظور، جاء ظهور محمد حمدان دقلو في أوغندا مرتديًا زيًا أفريقيًا تقليديًا بوصفه حدثًا يتجاوز المجاملة البروتوكولية ليحمل رسالة سياسية واضحة. فالرموز في سياق النزاعات ليست حيادية؛ إنها تُستخدم لإعلان الاصطفاف، وإيصال إشارات الامتنان، وتأكيد وجود حاضنة إقليمية. وعندما يتزامن هذا الظهور مع اتهامات متداولة حول وجود معسكرات أو تسهيلات خارج الحدود، فإن القراءة السياسية تميل إلى اعتبار المشهد تعبيرًا عن شبكة دعم إقليمي تُسهم — بصورة مباشرة أو غير مباشرة — في إطالة أمد النزاع السوداني.

إن ارتداء زي أفريقي في لحظة سياسية مشحونة لا يمكن فصله عن دلالاته. فهو خطاب غير لفظي يوحي بالانتماء والتحالف، ويبعث برسالة إلى الداخل بأن الدعم الخارجي حاضر، وإلى الخارج بأن الصراع السوداني جزء من توازنات إقليمية أوسع. هذه الرسائل، في ظل حرب مفتوحة، تحمل أثرًا عمليًا يتمثل في تشجيع استمرار المواجهة بدل الدفع نحو تسوية سياسية. فالطرف الذي يشعر بوجود سند إقليمي لن يكون ميّالًا إلى التراجع أو تقديم تنازلات، وهو ما يُترجم فعليًا إلى إطالة أمد النزاع وتعميق كلفته الإنسانية.

من الناحية القانونية، فإن أي دعم — عسكريًا كان أو لوجستيًا أو سياسيًا — يُقدَّم إلى طرف مسلح داخل دولة ذات سيادة، يشكل خرقًا صريحًا لمبدأ عدم التدخل. هذا المبدأ أقرّه ميثاق الأمم المتحدة وكرّسه كذلك الاتحاد الإفريقي باعتباره حجر الأساس في حماية وحدة الدول. إن توفير ملاذات، أو تسهيلات عبور، أو دعم تنظيمي لأطراف متحاربة — متى ما ثبت — لا يُعدّ عملاً دبلوماسيًا مشروعًا، بل مساهمة مباشرة في زعزعة الاستقرار الداخلي لدولة عضو.

وليس هذا الجدل جديدًا في العلاقات الدولية. فالتاريخ الحديث يقدم نماذج واضحة تُظهر كيف أدانت المنظومة الدولية دعم أطراف مسلحة داخل دول أخرى. ففي قضية Nicaragua v. United States، اعتبرت محكمة العدل الدولية أن دعم جماعات مسلحة داخل دولة ذات سيادة يمثل انتهاكًا لمبدأ عدم التدخل. كما أدانت تقارير أممية متعددة التدخلات الخارجية في نزاعات إقليمية مثل الأزمة الليبية، حيث أُشير إلى أن تدفق الدعم الخارجي أسهم في إطالة أمد الحرب وتعقيد مسار التسوية. هذه السوابق تؤكد أن المجتمع الدولي لا ينظر إلى الدعم الخارجي بوصفه شأنًا سياسيًا فحسب، بل كمسألة قانونية ترتب مسؤولية.

إن إسقاط هذه النماذج على الحالة السودانية يوضح خطورة أي دور إقليمي يُشتبه في أنه يسهّل استمرار القتال. فوجود معسكرات أو تسهيلات عبور — إن ثبت — يعني عمليًا توفير بيئة تمكّن طرفًا مسلحًا من إعادة تنظيم صفوفه، وهو ما يتعارض مع واجب الدول في دعم السلم الإقليمي. والأخطر أن هذه الممارسات تُرسل رسالة سلبية مفادها أن الصراع يمكن تغذيته من الخارج دون مساءلة، الأمر الذي يقوض الثقة في النظام الإقليمي.

الجانب الأخلاقي لا يقل أهمية عن القانوني. فإطالة أمد الحرب تعني استمرار معاناة المدنيين، وتفاقم النزوح، وانهيار الخدمات الأساسية. أي دعم خارجي يُسهم في هذا المسار يُعدّ مشاركة غير مباشرة في الكلفة الإنسانية للنزاع. ومن هنا، فإن الإدانة ليست موقفًا انفعاليًا، بل ضرورة لحماية المدنيين وصون مبدأ السيادة الذي يشكل أساس الاستقرار الدولي.

كما أن الرمزية السياسية لظهور حميدتي في هذا السياق تعكس محاولة لإعادة صياغة السرد: تقديم الذات كجزء من فضاء إقليمي داعم، وإظهار أن الصراع لا يُدار في عزلة. غير أن هذه الرسائل، بدل أن تعزز الشرعية، قد تُفسَّر كدليل على تداخل خارجي يُطيل أمد الحرب. فالشرعية في النزاعات لا تُبنى على الرموز، بل على الالتزام بالقانون واحترام سيادة الدول.

إن الإدانة هنا تستند إلى منطق قانوني واضح: لا يجوز لأي دولة أن تتحول إلى منصة دعم لطرف مسلح داخل دولة أخرى، لأن ذلك يهدد الأمن الجماعي. والتجارب الدولية تثبت أن النزاعات التي تتغذى من الخارج تصبح أكثر تعقيدًا وأطول أمدًا، ما يضاعف كلفتها السياسية والإنسانية.

في المحصلة، فإن قراءة ظهور حميدتي بالزي الأفريقي، في ظل ما يُتداول عن أدوار إقليمية، تكشف عن تداخل الرمزي بالقانوني في الأزمة السودانية. الرمز هنا ليس تفصيلًا شكليًا، بل مؤشر على شبكة علاقات قد تسهم في استمرار النزاع. وإدانة أي دعم خارجي — متى ما ثبت — تظل واجبًا قانونيًا وأخلاقيًا لحماية وحدة السودان واستقراره. فالتاريخ يثبت أن الصراعات التي تُدار برعاية خارجية لا تنتهي إلا بمزيد من الانقسام، بينما يظل احترام السيادة هو الطريق الأقصر نحو السلام.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.