بين الحرب والشرعية: أدوار البرلمان السوداني في حفظ توازن الدولة
د. ميمونة سعيد آدم
يمثل البرلمان في الدولة الحديثة حجر الزاوية في بناء الشرعية السياسية وترسيخ دعائم الحكم الرشيد، إذ ينهض بوظيفتي التشريع والرقابة بوصفهما أداتين أساسيتين لضبط أداء السلطة التنفيذية وتوجيه السياسات العامة. وفي الحالة السودانية، تبرز أهميته بصورة استثنائية في زمن الحرب، حيث تتعرض مؤسسات الدولة لاختبارات قاسية تهدد تماسكها واستمراريتها، ما يجعل منه ركيزة للشرعية وصمام أمان يحول دون الانزلاق نحو الفوضى أو الانهيار المؤسسي.
في ظل الأزمات المسلحة، تتغير طبيعة الأدوار التقليدية للمؤسسة التشريعية لتصبح أكثر اتساعًا وعمقًا، إذ لا يقتصر دوره على سن القوانين، بل يمتد ليشمل إدارة التوازنات السياسية وتعزيز وحدة الصف الوطني. فالبرلمان، بوصفه ممثلًا لإرادة الشعب، يمكن أن يسهم في بلورة خطاب وطني جامع يتجاوز الانقسامات الضيقة، ويعيد توجيه البوصلة نحو الحفاظ على كيان الدولة. وهذا الدور يكتسب أهمية مضاعفة في السودان، حيث تتداخل الأبعاد السياسية والاجتماعية والجهوية في تشكيل المشهد العام.
وعلى المستوى التشريعي، يضطلع بدور محوري في تنظيم حالة الطوارئ وسن القوانين التي تواكب طبيعة المرحلة الاستثنائية. فالحرب تفرض تحديات معقدة تتطلب استجابات قانونية مرنة، تتيح للدولة اتخاذ التدابير اللازمة لحماية أمنها القومي، دون التفريط في المبادئ الأساسية للحقوق والحريات. ومن هنا، يصبح حارسًا للتوازن الدقيق بين متطلبات الأمن وضرورات الشرعية، بما يعزز ثقة المواطنين في مؤسسات الدولة ويمنع تغول السلطة التنفيذية.
أما على صعيد الرقابة، فإنه يؤدي دورًا حيويًا في متابعة أداء الحكومة، خاصة في ما يتعلق بإدارة الموارد العامة وتوجيه الإنفاق نحو أولويات المرحلة. فالحروب غالبًا ما تفتح الباب أمام اختلالات مالية وإدارية، قد تؤدي إلى تفشي الفساد أو سوء استخدام الموارد، وهو ما يشكل خطرًا إضافيًا على الدولة. ومن خلال أدواته الرقابية، مثل الاستجوابات واللجان البرلمانية، وبذلك يستطيع أن يحد من هذه المخاطر، ويضمن توظيف الإمكانات المتاحة بكفاءة لدعم المجهود الوطني.
وفي البعد الاستراتيجي، يتجاوز دوره الإطار الداخلي ليشمل الفضاء الخارجي عبر ما يُعرف بالدبلوماسية البرلمانية. إذ يمكن للبرلمان السوداني أن يسهم في نقل صورة متوازنة عن الأوضاع في البلاد إلى المجتمع الدولي، وأن يعمل على كسب التأييد السياسي والإنساني لقضايا السودان. كما يمكنه أن يشارك في بناء شراكات مع برلمانات الدول الأخرى، بما يدعم جهود الدولة في مواجهة التحديات الراهنة.
إلى جانب ذلك، يضطلع بدور مهم في تعزيز التماسك الاجتماعي، من خلال ترسيخ قيم الانتماء الوطني والتعايش السلمي. ففي أوقات الحرب، تتعرض النسيج الاجتماعي لضغوط كبيرة، نتيجة النزوح والانقسامات والتوترات، وهو ما يتطلب خطابًا مسؤولًا يعزز الثقة ويحد من خطاب الكراهية. ومن خلال مناقشاته وقراراته، ويمكن أن يسهم في بناء وعي جمعي يدرك خطورة المرحلة ويستجيب لها بروح التضامن.
غير أن فعالية البرلمان في أداء هذه الأدوار تظل مرهونة بمدى استقلاليته وقدرته على العمل بحرية بعيدًا عن الضغوط السياسية أو العسكرية. فالمؤسسة التشريعية القوية هي تلك التي تتمتع بقدر كافٍ من الاستقلال المؤسسي، وتستند إلى قاعدة شعبية حقيقية، ما يمكنها من ممارسة دورها الرقابي والتشريعي بفعالية. وفي المقابل، فإن ضعفه أو تهميشه قد يؤدي إلى خلل في ميزان السلطة، ويقوض جهود بناء الدولة.
وفي ظل ظروف الحرب، فأنه ليس مجرد مؤسسة دستورية تقليدية، بل هو فاعل استراتيجي في معركة بقاء الدولة واستمرارها. فبقدر ما ينجح في أداء أدواره التشريعية والرقابية والسياسية، بقدر ما يسهم في تعزيز صمود الدولة ومواجهة التحديات التي تهدد وجودها. ومن ثم، فإن إعادة تفعيل دوره وتمكينه من أداء مهامه بكفاءة يمثل ضرورة ملحة، ليس فقط لإدارة الأزمة الراهنة، بل أيضًا لوضع الأسس لدولة سودانية أكثر استقرارًا وتماسكًا في المستقبل.
عليه، يمكن القول إن البرلمان، في زمن الحرب، يتحول من مجرد مؤسسة تشريعية إلى ركيزة أساسية في منظومة الصمود الوطني. فهو يجسد الشرعية، ويراقب الأداء، ويوجه السياسات، ويعزز الوحدة، ويفتح آفاق التواصل الخارجي. وإذا ما أُحسن توظيف هذه الأدوار، فإن البرلمان السوداني يمكن أن يكون بالفعل صمام الأمان الذي يحفظ للدولة توازنها، ويمهد الطريق نحو التعافي وإعادة البناء.