“أنفال”:بقلم:بدرالدين عبدالرحمن:الحدود السودانية،الأثيوبية..نزاع الأطماع الإقليمية والدولية.

“أنفال”

بقلم:بدرالدين عبدالرحمن

 

الحدود السودانية،الأثيوبية..نزاع الأطماع الإقليمية والدولية.

 

 

تسعي إثيوبيا لتحقيق جملة من الأهداف الإستراتيجية والأمنية والإقتصادية،من خلال إنفاذ خططها الرامية لزعزعة المناطق الحدودية مع السودان،أهمها:

– تأمين مصالحها الحدودية والمائية.

– إبقاء السودان في حالة توتر وتمرد داخلي،وذلك بما يمنع تهديد أمنها القومي.

– إشغال السودان بقضايا أمنية،تمنع إثارة قضايا الحدود(منطقة الفشقة).

– ضمان النفوذ الإقليمي لأثيوبيا.

– ضمان منع قيام الحكومة في الخرطوم من دعم الجبهات المعارضة الإثيوبية.

– المحافظة على التفوق في ملف سد النهضة.

– تأمين السيطرة على الأراضي الزراعية الخصبة في “الفشقة”، والتي يعتبرها الإثيوبيون عمقاً اقتصادياً وإستيطانياً حيوياً لهم.

– منع “التدويل” والوساطة،حيث رفضت إثيوبيا سابقاً وساطة السودان في نزاع “تيغراي”.

– ضمان عدم إستغلال السودان لأزمات أثيوبيا الداخلية.

وفي غضون ذلك،ظلت الحدود السودانية الأثيوبية تشهد توترات كبيرة،خاصة بعد إستعادة الجيش السوداني للأراضي التي كانت تسيطر عليها ميليشيات إثيوبية،مايعرف بعصابات (الشفتا) في أواخر 2020،وهو ما رفضته إثيوبيا وطالبت بالعودة للوضع السابق.

يجدر ذكره،أن النزاع القائم بين الدولتين فيما يتعلق بمنطقة الفشقة،هو نزاع حدودي يعود تأريخه إلى خمسينات القرن العشرين، لكنه ظل نزاعاً محدوداً بين مزارعين إثيوبيين ونظرائهم السودانيين،وقد إعترفت اثيوبيا في وقت سابق بأن الأرض المتنازع عليها تابعة للسودان،ولكنها حسب اتهام السودان تماطل في إعادة وضع العلامات الحدودية المتفق عليها دوليا.

متابعون للمشهد الأثيوبي الملتهب،بينوا إن أثيوبيا تعاني من ويلات داخلية وخارجية معقدة،أهمها على الإطلاق،أنها قد تدخل في أتون حرب مع جارتها أريتريا،ولكنها فى الوقت ذاته تواجه تمرداً متصاعداً وتصدعا كبيرا في الجبهة الداخلية.

لذلك فإن أديس أبابا إتجهت لدعم مليشيا الدعم السريع المتمردة،والمدعومة من الإمارات،بغرض تحقيق أهداف محددة،منها:

– صرف الأنظار عن المشكلات الداخلية.

– العمل علي فتح جبهة عسكرية وأمنية جديدة في السودان.

من الحقائق الدامغة التي يجب التعاطي معها بعين الإعتبار،أن التدخل الإثيوبي في السودان ،يأتي في ظل تلقي مليشيا الدعم السريع هزائم ميدانية متتالية،وفي الكثير من المحاور،وهي هزائم قاصمة للظهر،فضلا عن حدوث تغيرات فيما يلي الجانب المتعلق بالتحالفات والتكتيكات الخارجية.

مختصون في العلاقات الأفريقية،أوضحوا إلي أنه إذا نجحت إثيوبيا في تنفيذ خططها الآنية،فقد تصبح قوة إقليمية مؤثرة في إدارة دفة صراع المصالح الأفريقي،ولكنها إذا فشلت، فقد تتحول إلى دولة متفككة ومليئة بالصراعات القبلية والأهلية،وذلك مثلما حدث في يوغوسلافيا السابقة وغيرها.

بينما إعتبر آخرون ،أن مايحدث من تدخل أثيوبي فى مناطق إقليم النيل الأزرق،ماهو إلا تعبير دقيق وفاضح عن التبعية الإقليمية والدولية-تنفيذ أثيوبيا لأجندة الإمارات فى المنطقة-.لاسيما وأن أديس أبابا تبحث عن حليف يتماشى مع سياستها وأطماعها في(إريتريا والصومال والسودان). إتسمت العلاقات بين السودان وإثيوبيا في مجملها بالتوتر والشد والجذب منذ فترة طويلة،

وفي تسعينيات القرن العشرين،وبناءا على طلب من واشنطن،إنضمت إثيوبيا إلى إستراتيجية دول المواجهة ضد السودان. وقد شهدت العلاقات بين البلدين تحسنا في العقد الأول من الألفية الثانية،لكنها سرعان ماتدهورت مع بدء إثيوبيا بناء سد النهضة الكبير. خاصة وأن السودان إشتكي إلى جانب مصر،من أن السد سيؤدي إلى إنخفاض كبير في منسوب مياه النيل،مما سيؤثر سلبًا على الإنتاج الزراعي.

وممالاشك فيه،أن التنافس الإقليمي بين (الرياض وأبوظبي)على إمتداد حوض البحر الأحمر.كان ومايزال له الدور الأكبر فى تأثير التدخل الأثيوبي الرامي للسيطرة على المناطق الحدودية بين البلدين.

وقد بلغ التنافس حدته،بعد أن إتفقت إثيوبيا والإمارات على تعزيز التعاون الدفاعي والعسكري الثنائي بموجب مذكرة تفاهم.

وفي عام 2021،كشف تحقيق أجرته قناة الجزيرة، أن الإمارات كانت وماتزال،تقدم الدعم لإثيوبيا في قتالها ضد التيغراي،حيث نُفذت أكثر من (90 )رحلة جوية تحمل معدات عسكرية.

وفي عام 2025،أعلنت الإمارات عن مشروع خط سكة حديد بتكلفة( 3) مليارات دولار لربط بربرة، في أرض الصومال(التي تطالب بها الصومال).

وفي نوفمبر الماضي،وُقعت مذكرة تفاهم أخري،تؤكد على التعاون في مجال الدفاع الجوي.

وقد أكدت أديس أبابا وأبوظبي مجددًا شراكتهما الإستراتيجية،مشددتين على أهمية التعاون الأمني.

إلا إنه وفي 12 يناير 2026، قطعت مقديشو رسميًا جميع الاتفاقيات مع الإمارات، وألغت امتيازات الموانئ والترتيبات الأمنية واتفاقيات التعاون الدفاعي. وقد أدى هذا القرار إلى القضاء على أحد أهم معاقل أبوظبي في القرن الأفريقي. لذلك أصبحت إثيوبيا والإمارات بحاجة إلى بعضهما البعض أكثر من أي وقت مضى.

فمع غياب القواعد العسكرية في الصومال، تحتاج الإمارات إلى إثيوبيا لتزويد مليشيا الدعم السريع في السودان بالعتاد العسكري،وهو أمرٌ بات أكثر إلحاحاً مع تقدم القوات المسلحة السودانية في مواجهة المليشيا المتمردة.

خاصة وأن اثيوبيا تعتقد أن الجيش السوداني قد يهاجم سد النهضة الإثيوبي الذي لا يبعد سوى( 10)كيلومترات عن الحدود،حال إنتهائه من الحرب الحاليه.

كما أن إثيوبيا تفضل التعامل مع مليشيا الدعم السريع، التي قدمت لها الدعم في حرب التيغراي.

وفي هذا الإطار ظهرت تقارير موثقة ومؤكدة،توضح أن إثيوبيا قامت بتدريب آلآلاف من المقاتلين من مليشيا الدعم السريع بالقرب من الحدود.

وأنها تستضيف قاعدة عسكرية سرية لتدريب ما يصل إلى (10000)مقاتل من مليشيا الدعم السريع.

و مع إنشاء هذه القاعدة،قامت أثيوبيا بفتح جبهة جديدة في ولاية النيل الأزرق جنوب شرق البلاد، وذلك بغرض الآتي:

– تشتيت جهود القوات المسلحة السودانية.

– السيطرة علي ولاية النيل الأزرق،بغرض إمتلاك منطقة عازلة.

– توسيع نفوذ إثيوبيا حتى حدودها مع مصر،التي تعارض أيضًا مشروع سد النهضة.

يبقي القول:أن فتح جبهة جديدة يُمثل مخاطرة كبيرة بالنسبة لإثيوبيا، لاسيما وأن المليشيا المتمردة لم تنجح في السيطرة على مدينة “الكرمك”كما توقع البعض . كما أن دعم إثيوبيا لمليشيا الدعم السريع يُعرّضها للهجوم والإنتقاد اللاذع،بل ومطالبة القوات المسلحة السودانية للرد بالمثل،وهو حق مكفول وفقا للقانون الدولي.

وفي أتون ذلك،إستطاعت القوات المسلحة السودانية في وقت سابق،تدمير قافلة تضم (150)مركبة عسكرية كانت تعبر من إثيوبيا.لذلك فإن أثيوبيا تخشي أنه إذا سيطرت القوات المسلحة السودانية على المنطقة،فلن يمنعها شيء من عبور الحدود لمهاجمة معسكرات مليشيا الدعم السريع.وبدلاً من وجود منطقة عازلة في السودان،قد تجد إثيوبيا نفسها أمام القوات المسلحة السودانية وجها لوجه على أعتاب سد النهضة.

وفي سياق تلك المتاهات العسكرية المغلفة بالأطماع،تغفل أثيوبيا عن إستصحاب الكثير من الحقائق البائنة،والتي أهمها:

– هشاشة التوازن الداخلي.

– وجود جبهة في السودان يحرمها من مواردها العسكرية اللازمة لحسم حركات التمرد الداخلية.

– جبهة تحرير شعب تيغراي لازالت تسيطر على معظم إقليم تيغراي.

– الكثيرون يخشون إندلاع حرب جديدة مع إرسال إثيوبيا قوات إلى المنطقة.

– عدم زوال خطر ميليشيا فانو،وهي جماعة عرقية من الأمهرة ساعدت في القتال في تيغراي إلى جانب إثيوبيا، لكنها أنقلبت عليها عندما حاولت حلها.

– استمرار الصراع الأوروموي لأكثر من خمسين عامًا.وقد هددت جبهة تحرير أورومو مؤخرًا بدخول الحرب إذا لم تُلبَّ مطالبها.

– تهديد جبهة تحرير أوغادين الوطنية بمهاجمة منشآت نفطية.

– شهدت منطقتا(غامبيلا وبني شنقول-جوموز) حيث تقع قاعدة تدريب مليشيا الدعم السريع، اشتباكات متفرقة.مايعتبر تهديد للأمن القومي الأثيوبي.

– الضغوط الانفصالية التي تواجهها أثيوبيا.

ومابين هذه وتلك،تسعي أديس أبابا الي تحقيق الفائدة القصوي من الاستثمارات الإماراتية المتعلقة نقل الأسلحة، والدعم السياسي.ولذلك بما يمكن مليشيا الدعم السريع من أن تؤمّن منطقة عازلة على طول الحدود السودانية،تحمي سد النهضة من أي هجوم سوداني،أو على الأقل، العمل علي إطالة أمد الحرب في السودان بما يكفي لتحييد أي تهديد مباشر.

ويبقي السيناريو الأكثر طموحاً،إن سيطرة مليشيا الدعم السريع على السودان، ستؤدي إلى بسط النفوذ الإثيوبي على الجناح الجنوبي لمصر،وإعادة تشكيل سياسات حوض النيل.لكن هذه الخطوة نفسها قد تُزعزع استقرار الدولة الإثيوبية ذاتها. فالتدخل في السودان في ظل استمرار التمردات في (تيغراي وأمهرة وأوروميا وبني شنقول-جوموز)يُرهق الإتحاد الأثيوبي الهش والضعيف والمتهالك،-وفقا لمحللين-.لاسيما وأن التدخل الخارجي لن يجدي نفعًا في حل الإنقسامات والإضطرابات الداخلية إذا خرجت عن السيطرة كما هو الحال فى المشهد الأثيوبي ذو الرؤية الضبابية القاتمة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.