قاسم الظافر يكتب: أزمة الميزان التجاري.. وآفاق الحلول
أصدر بنك السُّودان المركزي مؤخراً تقريراً يوضّح مؤشرات الميزان التجاري للعام 2025م، بحجم إجمالي واردات بلغت (6.49 مليار دولار) بمقابل الصادرات التي بلغت قيمتها (1.7 مليار دولار) لذات العام، كاشفاً التقرير عن حجم عجز الميزان التجاري (الفجوة بين الصادرات والواردات) وقدرها 3.8 مليار دولار. كما وضّح التقرير عن طبيعة العجز من حيث نوع الواردات حيث انتهي إلى أن 50% من جملة العجز عبارة عن سلع غذائية تتمثل في (قمح، سُّكر، زيوت طعام)، فيما توزعت 50% أخرى بين منتجات بترولية بقيمة (807 مليون دولار)، ومواد كيماوية بقيمة (780 مليون دولار).
في دراسة سابقة غطّت 10 أعوام (2012 – 2021م) عن هيكلة الواردات والميزان التجاري، كشفت بوضوح عن طبيعة الاشكال الهيكلي في الميزان التجاري، وعن ضرورة معالجة معضلة الواردات الغذائية للسلع الأساسية (القمح، السُّكر، زيوت الطعام)، وهي ذات السلع التي تساهم الآن بنسب مقدّرة في كتلة الميزان التجاري للعام 2025م، إذ ظلّت تمثل السلع الثلاث ذاتها أهم واردات البلاد خلال ال 15 عام السابقة، وبلغت جملة قيمة واردات السلع الثلاث طوال الفترة ذاتها ما يقرب من 20 مليار دولار.
في ظل واقع الحرب المأساوي تراجعت الكثير من مؤشرات الاقتصاد الكلي في البلاد نتيجة لتعطيل قطاعات إنتاجية حيوية، أهمها خروج مصانع الشركة السودانية للسُّكر (الجنيد وسنار) عن الإنتاج بالكامل، وذلك مع تدني إنتاج مصنع سُّكر كنانة إلى مستويات غير مسبوقة نتيجة لصعوبات في إدارة التشغيل والعمليات الزراعية وسلاسل الامدادت، إضافة إلى خروج المشاريع الزراعية في ولاية الجزيرة التي يعتمد عليها بنسبة كبيرة في زراعة القمح، فضلاً عن تضرر مناطق إنتاج الفول والسمسم في دارفور وتوقف الصناعات الصغيرة والمتوسطة لانتاج الزيوت في مناطق دارفور وكردفان. مما يقلل من نسب الانتاج المحلي ويصب مباشرة في زيادت الواردات من السلع المذكورة ويفاقم فجوة الميزان التجاري.
وكجزء من خطة إعادة الإعمار التي انتهت بكل أسف إلى (لجنة ولائية معنية بإعادة تهيئة العاصمة)، بدلاً عن مفوضية لإعادة الإعمار لمعالجة آثار الحرب والنظر في الإشكالات الهيكلية والعمل علي معالجتها وفق خطط مدروسة مدعومة ببرامج عمل يتم تنفيذها بصورة تدريجية. لذا لم استغرب من أن تأتي مؤشرات الاقتصاد الكلى بهذا السوء، اذا تعكس عن حقيقة الاوضاع المتفاقمة التي عبّر عنها مؤشر الميزان التجاري بوضح، كنتيجة طبيعة لسواء إدارة القطاع الاقتصادي العام في ظل الراهن التي تمر به البلاد.
وتمكن جملة الحلول في وضع خطة تعافي Recovery planمتكاملة هدفها معالجة آثار الحرب، وتحسين مؤشرات الاقتصاد الكلي، وتعزيز دور الإنتاج المحلي وصلاً لتحقيق الإكتفاء الذاتي من المنتجات الغذائية، من خلال خطط وبرامج عملية ومدروسة علي عدة مستويات؛
*المستوي أول؛ معني بالسياسات،* والتنسيق مع كافة الجهات ذات الصلة، للخروج بحزمة سياسات تشجيعية وتحفيزية للقطاع الزراعي وخصوصاً (القمح، والمحاصيل الزيتية)، مدعومة بسياسات نقدية ومالية تصب في تيسير التمويل الصناعي والخدمات المساعدة للمشاريع المتوسطة والكبيرة في مجالات (النقل، التخزين، معاصر الزيوت، والتصنيع الغذائي). إضافة إلى حزمة سياسات صادر-ووارد تعيد توجيه الكتلة النقدية والاستثمارات ورؤوس الأموال العاملة في استيراد السلع الغذائية المذكورة، وإعادة توجيهها بصورة تدريجية للقطاعات الإنتاجية المحلية علي المستوي الزراعي والصناعي.
*مستوي ثاني؛ إطار تنفيذي،* ويحتاج هذا الجانب إلى تطوير بعض الهايكل التنفيذية القائمة وإبتكار أخرى حديثة، بحيث تساعد علي خلق قيمة مضافة مباشرة في الاقتصاد الكلي، وتنفيذ الخطط والعمليات بصورة فنية ومهنية تتماشي مع الأهداف الكلية. لذا نحتاج إلى ثلاث قرارات جريئة علي النحو التالي؛
• *أولاً:* *خصخصة شركة السُّكر السُّودانية*، بغرض زيادة رأس المال، مع احتفاظ الحكومة متمثلة في وزارة الصناعة بنسبة لا تقل عن 30% وطرح متلقي الأسهم للقطاع الخاص محلياً وللاستثمار الأجنبي، بغرض رفع الكفاءة، وتطوير عمليات التشغيل وخطوط الإنتاج، وتوسعة عمليات الزراعة، مما يصب في زيادة الإنتاج بصورة تدريجية لتقليل الفجوة بين الإنتاج المحلي والاستهلاك.
• *ثانياً:* *إعادة تفعيل الشركة السودانية للحبوب الزيتية*، وتحويلها من شركة حكومية إلى شركة مساهمة عامة علي ذات قرار شركة السُّكر السُّودانية، علي أن تحتفظ حكومة السودان ممثلة في وزارة المالية بنسبة لا تقل عن 30% من إجمالي قيمة الشركة، علي أن تطرح بقية الأسهم للقطاع الخاص المحلي وللأستثمار الأجنبي.
علي ان تعمل الشركة علي تطوير الإنتاج في مجال الحبوب الزيتية وخلق علاقات تعاقدية مع المزراعين لتطوير وزيادة إنتاج الحبوب الزيتية بمختلف أنوعها، إضافة إلى توطين صناعة زيوت الطعام من خلال رفع كفاءة البنية التحتية للصناعة، وانشاء مصانع زيوت بمختلف القدرات الإنتاجية، وإبتكار صيغ تشاركية مع صغار المنتجين لتعزيز الكفاءة التشغيلية.
• *ثالثاً:* *إنشاء شركة مشروع الجزيرة للإنتاج الغذائي*، كشركة مساهمة عامة (علي ذات النموذج السابق) معنية بتطوير الصناعات الغذائية والإنتاج الغذائي علي مختلف أنواعه، مستفيدة من الإمكانيات الهائلة التي يتمتع بها مشروع الجزيرة وتطويرها في سبيل توطين الإنتاج الغذائي وتحقيق الاكتفاء الذاتي.
سيما وأن أزمة الغذاء العالمية تجعل من مجرد تأمين الغذاء والقدرة علي المساهمة العلمية في الحدّ من الفجوة الغذائية ورقة رابحة يمكن أن تساهم بصورة إيجابية مستقبلاً في الناتج القومي المحلي بنسب مقدرة. علي أن تسفيد الشركة من القاعدة الإنتاجية الضخمة في مناطق مشروع الجزيرة المختلفة، مع تطوير سلاسل الإمداد، وتحسين جودة الترحيل والتخزين، وتوطين صناعة الإنتاج الغذائي المختلفة.
انه لمن المؤسف أن تشكل 50% من جملة عجز الميزان التجاري سلع غذائية حيوية في بلد زراعي كالسُّودان الذي يمتلك مقدّرات وإمكانيات زراعية مهولة. من غير المعقول أن يستورد السُّودان زيوت طعام بمتوسط (200 مليون دولار)، ومنتجات ألبان (80 مليون دولار)، وصلصة طماطم (20 مليون دولار)، وغيرها من قائمة الغذاء المستورد.لا يخفى علي الكثيرين أن أزمة الغذاء العالمي تحتد بصورة سنوية، لذا يمكن أن تحول الأزمة إلى فرصة حقيقية وأن ينتهي العجز الاستيراد الغذائي إلى صادرات بنسب مقدرة بل ومتضاعفة تساهم مساهمة حقيقية في تحسين الناتج القومي المحلي، والكثير من المؤشرات الاقتصادية الأخرى (تقليل نسب البطالة، استقرار أسعار الصرف، تقليل التضخم، زيادة دخل الفرد، وغيرها من المؤشرات الاقتصادية والتنموية) إذا ما تم التعامل معها بمسؤولية وحسن تدبير وتخطيط وعمل جاد.