السودان لا يحتمل إعادة تدوير الإخفاق
د. ميمونة سعيد ادم ابورقاب
يتجدد الجدل في السودان كلما طُرحت — داخليًا وخارجيًا — فكرة عودة عبد الله حمدوك وحكومته السابقة، باعتبارهم — في نظر مؤيديهم — عنوانًا للشرعية ومخرجًا للأزمة. غير أن هذا الطرح يصطدم بسؤال سياسي جوهري: هل يمكن للشرعية أن تستمر دون حصيلة تُقنع الناس، ودون إنجازات ملموسة تحفظ ذاكرة الوطن من الإحباط؟
الواقع الذي يراه قطاع واسع من السودانيين أن التجربة لم تُترجم إلى نتائج حقيقية على الأرض. لم يتحقق استقرار اقتصادي، ولم تُبنَ مؤسسات قادرة على احتواء الأزمات، ولم يتشكل إجماع وطني يخفف من حدة الانقسام. بل إن المشهد العام اتسم بارتباك إداري وسياسي، جعل المواطن يشعر بأن الوعود أكبر من القدرة على التنفيذ. وفي السياسة، لا تُقاس النوايا، بل تُقاس النتائج، لأن الشعوب تعيش بما يتحقق لا بما يُقال.
الأكثر حساسية في هذا الجدل هو البعد الوطني. فالدولة ليست ساحة صراع خطابي، بل منظومة تتطلب مسؤولية تجاه مؤسساتها، وفي مقدمتها القوات المسلحة بوصفها إحدى ركائز السيادة. حين تتصاعد لغة الاتهام أو التوتر السياسي دون حساب لتداعياتها، فإن ذلك ينعكس على تماسك الجبهة الداخلية. النقد حق مشروع، لكنه يفقد قيمته حين يتحول إلى صراع يُضعف الثقة العامة بدل أن يعزز الإصلاح.
كما أن فكرة إعادة طرح التجربة ذاتها بوصفها الحل الوحيد تثير تساؤلات مشروعة حول احترام ذاكرة الشارع. فالمجتمعات لا تُدار بإعادة تدوير المراحل، بل بتقييمها بصدق. إن الاعتراف بالإخفاق ليس إدانة نهائية، بل خطوة ضرورية لبناء مسار جديد. أما القفز فوق التجربة وكأن شيئًا لم يكن، فهو تجاهل لوعي المواطنين الذين عاشوا تفاصيل تلك المرحلة بكل تعقيداتها.
السودان اليوم يقف عند مفترق طرق تاريخي، حيث لا مجال للمجاملات السياسية. المطلوب ليس استبدال أسماء بأسماء، بل ترسيخ مبدأ المحاسبة السياسية: من يقدم للوطن يُمنح الثقة، ومن يخفق يخضع للتقييم. هذه ليست قسوة، بل جوهر العمل العام في أي دولة تسعى للاستقرار.
في النهاية، لا يمكن فرض القبول من الخارج أو تسويقه بالشعارات. الشرعية الحقيقية تُولد من الداخل، من رضا الناس، ومن قدرتهم على رؤية أثر القيادة في حياتهم اليومية. والسؤال الذي يجب أن يبقى حاضرًا: هل ما يُطرح اليوم يعكس طموح الشارع، أم يعيد إنتاج مرحلة لم تُقنعه؟ الإجابة ليست في الخطاب، بل في وعي شعب يعرف أن الوطن أكبر من أي تجربة، وأن المستقبل لا يُبنى إلا على أساس الصدق والمحاسبة واحترام إرادته.