الحرب على المدنيين … جرائم بلا عقاب:د. ميمونة سعيد ادم ابو رقاب

الحرب على المدنيين … جرائم بلا عقاب

د. ميمونة سعيد ادم ابو رقاب

في كل نزاع مسلح، يُقاس السلوك الحقيقي لأي قوة عسكرية بمدى التزامها بحماية المدنيين وصون الأعيان المدنية. فاحترام الإنسان في زمن الحرب ليس ترفًا أخلاقيًا، بل هو الحد الأدنى الذي يفصل بين العمل العسكري المشروع والانزلاق إلى الجريمة المنظمة. وفي السياق السوداني، تكشف الممارسات المتكررة لقوات الدعم السريع المتمردة عن نمط خطير من الانتهاكات، حيث أصبح قصف المدنيين واستهداف الأحياء السكنية وسيلة انتقامية تُستخدم عقب كل إخفاق أو هزيمة ميدانية، في تعبير صارخ عن حالة تردٍّ أخلاقي وإنساني غير مسبوقة.

إن ما تقوم به قوات الدعم السريع من استهداف مباشر للمواطنين لا يمكن فصله عن عقلية الانتقام الجماعي، إذ يتحول المدني الأعزل إلى هدف بديل حين تعجز هذه القوات عن تحقيق مكاسب عسكرية. فالقصف العشوائي للأسواق، والمنازل، ومناطق التجمعات السكانية، لا يحمل أي قيمة عسكرية، بل يعكس رغبة في بث الرعب، وكسر إرادة المجتمع، ومعاقبته على وقائع لا يد له فيها. هذا السلوك لا يُعد فقط انتهاكًا جسيمًا، بل مؤشرًا على انهيار كامل لمنظومة الانضباط والمسؤولية.

ومن المنظور الديني، فإن هذه الأفعال تمثل خروجًا صريحًا عن القيم التي تحرّم قتل غير المقاتلين وتمنع الاعتداء على الأبرياء. فقد أرست الشرائع السماوية قواعد واضحة في أوقات النزاع، تحمي النساء والأطفال وكبار السن، وتحرّم هدم البيوت وتخريب الممتلكات، وتؤكد أن النفس الإنسانية مصونة لا يجوز إزهاقها بغير حق. وبناءً عليه، فإن قصف المدنيين وترويع الآمنين من قِبل قوات الدعم السريع لا يمكن تبريره بأي دعوى، بل يضع هذه الممارسات في مواجهة مباشرة مع الدين والأخلاق معًا.

أما من زاوية الإنسانية، فإن ما ترتكبه قوات الدعم السريع يعكس سقوطًا مدويًا لكل معاني الكرامة البشرية. فالمدني الذي يفترض أن يكون محميًا يصبح وقودًا لصراع مسلح، ويُستخدم ألمه ومعاناته كوسيلة ضغط وانتقام. إن تحويل الهزائم العسكرية إلى عمليات تنكيل بالمجتمع يعبّر عن عقلية ترى في الإنسان رقمًا أو أداة، لا روحًا لها حق الحياة والأمان. وهذا النمط من العنف لا يدمّر الحاضر فحسب، بل يزرع أحقادًا طويلة الأمد، ويغلق أي أفق لمصالحة اجتماعية حقيقية.

ويتفاقم هذا الانحدار حين تمتد اعتداءات قوات الدعم السريع لتشمل قصف قوافل الإغاثة الإنسانية وعرقلة الجهود الدولية لإغاثة المتضررين. فقد تم استهداف شاحنات المساعدات، وتدمير مخازن الغذاء والدواء، ومنع وصول المنظمات الإنسانية إلى المحتاجين، في سلوك يكشف تعمّدًا واضحًا لاستخدام التجويع والحرمان كسلاح حرب. إن ضرب الإغاثة لا يعني فقط مضاعفة معاناة المدنيين، بل يمثل عدوانًا مباشرًا على فكرة إنقاذ الحياة نفسها، ومحاولة لإخضاع المجتمع عبر الجوع والمرض والموت البطيء.

وفي إطار القانون الدولي الإنساني، فإن أفعال قوات الدعم السريع تُصنّف بوضوح ضمن جرائم الحرب. فالقانون الدولي يفرض مبدأ التمييز بين المدنيين والمقاتلين، ويحظر الهجمات العشوائية، والانتقام الجماعي، واستهداف الأعيان المدنية، وقوافل الإغاثة والعاملين في المجال الإنساني. كما يحمّل القادة والمنفذين المسؤولية الجنائية الفردية عن هذه الجرائم، بغض النظر عن المبررات أو الظروف. وعليه، فإن ما يجري ليس تجاوزات معزولة، بل نمط ممنهج من الانتهاكات يرقى إلى مستوى المساءلة الدولية.

ورغم جسامة هذه الجرائم، لا يزال المجتمع الدولي في كثير من الأحيان يكتفي بإدانات لفظية خجولة، تفتقر إلى الردع الحقيقي. فبيانات الشجب لا توقف القصف، ولا تعيد بناء منزل مدمر، ولا تنقذ طفلًا حُرم من الدواء. إن استمرار غياب العقوبة شجّع قوات الدعم السريع على التمادي، ورسّخ شعورًا بالإفلات من العقاب. ومن هنا، تبرز الحاجة الملحّة للانتقال من الإدانة إلى المحاسبة، عبر فرض عقوبات صارمة، وتفعيل آليات العدالة الدولية، وحماية العمل الإنساني من الاستهداف.

ويبقى السؤال الأخلاقي الحاسم: كيف يمكن لمجتمع أن يقبل قوةً تمارس القتل والتجويع والترويع بحق أبنائه؟ إن الشرعية لا تُبنى على أنقاض البيوت ولا على أشلاء المدنيين، بل على احترام الإنسان وصون حياته. وكلما واصلت قوات الدعم السريع هذا النهج، فإنها تؤكد عزلتها الأخلاقية، وتُثبت أن طريق العنف الأعمى لا يقود إلا إلى الإدانة التاريخية والمساءلة، حيث ستظل معاناة المدنيين شاهدًا لا يمكن إنكاره أو تبريره.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.