حين ترتدّ الفوضى .. هل تطرق النيران أبواب تشاد؟..د. ميمونة سعيد آدم أبو رقاب

حين ترتدّ الفوضى .. هل تطرق النيران أبواب تشاد؟

د. ميمونة سعيد آدم أبو رقاب

في سياق التداخل الجغرافي والقبلي المعقّد بين السودان وتشاد، لا يمكن فهم التحولات الأمنية المتسارعة بمعزل عن التاريخ الطويل للحدود المفتوحة والهويات المتشابكة. فالحدود الغربية للسودان، الممتدة مع تشاد، لم تكن يومًا مجرد خطوط سياسية، بل فضاءً اجتماعيًا حيًا تتحرك فيه القبائل والمصالح والولاءات. غير أن هذا الفضاء، الذي كان في أوقات كثيرة جسر تواصل، تحوّل خلال السنوات الأخيرة إلى مسرح لعبور السلاح والمرتزقة، في ظل ضعف الدولة وتآكل منظومات الضبط والرقابة.

لقد أسهمت الحرب السودانية الراهنة في تعميق هذا الواقع، حيث أفرزت اقتصادًا موازٍا للصراع، تتحرك فيه مجموعات مسلحة عابرة للحدود بلا انتماء ثابت، سوى لمن يدفع أكثر. ومع تراخي الرقابة، أصبحت تشاد—شاءت أم أبت—ممرًا آمنًا لهذه الشبكات، ما جعلها جزءًا من معادلة عدم الاستقرار، حتى وإن لم تكن الطرف المباشر في إشعال الصراع. لكن التجارب الإقليمية تؤكد أن السماح للفوضى بالعبور لا يعني تحييد آثارها، بل تأجيل ارتدادها فقط.

اليوم، تظهر مؤشرات واضحة على أن الداخل التشادي نفسه بات يعيش حالة غليان سياسي وأمني. فالمعارضة، التي ظلت لفترة طويلة مكبوحة أو مشتتة، بدأت تعيد ترتيب صفوفها، مستفيدة من هشاشة المشهد الإقليمي وتراجع قدرة الدولة على التحكم الكامل في الأطراف. وهنا تتجلى المفارقة: الميادين التي سُمِح لها أن تكون ممرًا للفوضى في غيرها، قد تشهد ذات الأدوات والأنماط على أرضها، في تجسيد عملي لمنطق “الجزاء من جنس العمل” في العلاقات الأمنية غير المنضبطة.

من منظور تحليلي أمني، فإن أخطر ما تواجهه تشاد ليس تحرك معارض بعينه، بل قابلية البيئة الداخلية للاختراق. فالسلاح المتدفق بلا ضابط، والمرتزقة الذين اعتادوا القتال مقابل المال، لا يعترفون بسيادة ولا بحدود. وهم أنفسهم الذين يمكن أن يتحولوا من أدوات ضغط خارجية إلى عناصر تفجير داخلي، متى ما تغيّرت موازين المصالح. وهذا ما يجعل أي رهان على استخدامهم أو غض الطرف عن تحركاتهم رهانًا قصير الأجل وعالي الكلفة.

كما أن التعويل على الشرعية العسكرية أو الدعم الخارجي، دون معالجة الجذور السياسية والاجتماعية للأزمة، يضع القيادة التشادية أمام اختبار حقيقي. فاستقرار الأنظمة في البيئات الهشة لا يُقاس بقدرتها على القمع المؤقت، بل بمدى قدرتها على بناء توافق داخلي، وضبط المجال الأمني، ومنع تحويل البلاد إلى ساحة مفتوحة للصراعات بالوكالة.

وما لم تُدرك نجامينا أن أمنها يبدأ من منع الفوضى عن جيرانها كما عن نفسها، فإن الأيام القادمة قد تحمل سيناريوهات لا تُحمد عقباها. فالميادين التي اشتعلت في غيرها قد لا تبقى بعيدة، والتاريخ القريب في الإقليم شاهد على أن النار إذا تُركت بلا حواجز، لا تختار ضحاياها.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.