رفض معظم القوى السياسية لتبعات زيارته إلى موسكو يزيد عزلة حميدتي الداخلية

هاش سودان / الخرطوم – أثارت تصريحات نائب رئيس المجلس السيادي السوداني، محمد حمدان دقلو، في روسيا، التي أكد خلالها، على ما اسماه “حق روسيا في حماية شعوبها” بالتزامن مع الغزو الروسي لأوكرانيا، ردود أفعال واسعة، داخل البلاد، حيث وصفتها معظم القوى السياسية بغير المسؤولة، مؤكدين أنها لا تعبر عن الشعب السوداني وقواه السياسية.

وقال “حميدتي” في فيديو مسجل، نشرته وسائط روسية فجر الخميس، إن روسيا تمتلك الحق للدفاع عن مواطنيها وشعوبها، ويجب على العالم أن يدرك ذلك، مشيراً إلى أنه “حق مكفول وفق القانون والدستور”.
وبدأ زيارته لروسيا الخميس، في ظل مواقف دولية رافضة للغزو الروسي لأوكرانيا وتهديدات بفرض عقوبات على موسكو من قبل واشنطن والاتحاد الأوروبي كما ورد في القدس العربي.

ورغم تأكيد حميدتي في التسجيل المصور الذي نشرته مواقع روسية، سعادته بزيارة روسيا واعتباره ما تقوم به روسيا حماية لشعوبها، إلا أن الخارجية السودانية، نفت إدلاء حميدتي بأية تصريحات لأي وسيلة إعلامية حول أي موضوع كان على الإطلاق، مؤكدة أن ما تم تداوله ادعاءات لا تعدو كونها محض تلفيق واختلاق لا أساس له من الصحة.
وفي السياق، قال المتحدث الرسمي باسم تجمع المهنيين السودانيين الوليد علي لـ”القدس العربي”، إن تصريحات حميدتي وزيارته الأخيرة لروسيا، أدخلت البلاد في استقطابات جديدة لا دخل لها بها.

وأضاف: “أمراء الحرب يهتمون بمصالحهم الشخصية فقط دون مصالح البلاد، معتبراً ما حدث نتيجة لقرارات غير مؤسسية وتكرارا لما قام به عمر البشير عندما احتمى بروسيا قبيل سقوطه”. وتابع: “هذه التصريحات تعبر عن موقف الانقلابيين فقط ولا علاقة للشعب السوداني وقوى الثورة بها”.

هروب للأمام

وقال المتحدث الرسمي، باسم الحزب الشيوعي السوداني، فتحي فضل، لـ”القدس العربي”، إن تصريحات حميدتي وزيارته لموسكو، دليل على عدم وجود فرق بين قادة الانقلاب الحاليين ونظام عمر البشير، في السعي للاحتماء بروسيا، أو أمريكا وغيرها، بما لا يتوافق مع مصلحة السودان.

وأضاف: “لسنا مع أو ضد أحد، لكن هناك مبادئ أساسية في القانون الدولي، تمنع اعتداء دولة على أخرى،” مشيراً إلى أن تصريحات حميدتي تنم عن “عدم المعرفة والسير في طريق النظم الديكتاتورية السابقة، في التدخل في خلافات بين أمريكا وروسيا وحسابات بين قوى عظمى، دون تحفظ على مصالح الشعب السوداني”.

وأكد فضل، إدانة الحزب الشيوعي لتصريحات نائب السيادي، في روسيا، لافتاً إلى أنها ستؤدي إلى تداعيات تفاقم تردي الأوضاع داخل البلاد، وسيؤثر على الوعود الخاصة بإعفاء ديون السودان ووعود الاتحاد الأوروبي بخصوص دعم الاقتصاد السوداني بغض النظر عن موقف الحزب في الصدد.

وأشار إلى أن قادة الانقلاب يحاولون الهروب إلى الأمام، بالاحتماء بروسيا والصين، بعد مقتل 82 شخصاً منذ بداية الانقلاب ومحاولات قمع الشارع الذي يواصل رغم ذلك التصعيد الرافض الانقلاب، مؤكداً أن روسيا والصين لن تحميهم وأن الشعب أكبر من ذلك.

إلى ذلك، قال القيادي في قوى الحرية والتغيير شهاب الدين الطيب، لـ”القدس العربي”، إن زيارة حميدتي توضح الانقسام الراهن بين عسكريي الانقلاب، وحالة تجاذب بين أطراف الانقلاب والذي يؤكد ضعف الانقلاب والمضي نحو صدام ينطلق من التباين الراهن بينهم.

وأضاف أن العلاقات الدولية مرتبطة بشكل أو بآخر بالتسليح والتدريب والتعاون العسكري بين الدول، مشيراً إلى أن الجيش يمضي في اتجاه حلف معين وعلاقات عسكرية تعبر عن اتجاه يميل إلى القاهرة، بينما يتجه الدعم السريع في اتجاه آخر يمضي نحو روسيا.

وتابع: “توقيت زيارة حميدتي وتصريحاته، تقصف بوضعية السودان ومكتسبات الفترة الانتقالية وستقود البلاد نحو عزلة دولية، مشيراً إلى الآثار الداخلية الفادحة لمثل هذه التحركات وإمكانية أن تقود للتصادم بين المجموعات المسلحة”.

وأكمل: “كنا طوال الفترة الانتقالية نعمل من أجل إنهاء وضعية الجيوش المتعددة وهيكلة وإصلاح المنظومة الأمنية، تحسباً للمرحلة الخطيرة التي وصلت إليها البلاد، في ظل غياب القيادة الموحدة للجيش”.
ووصف الطيب بيان الخارجية الذي نفت فيه حديث حميدتي عن حق روسيا في غزو أوكرانيا، بالمتخبط والذي يوضح عدم وجود مؤسسية في إدارة العلاقات الخارجية، وتغول المؤسسة العسكرية “المختطفة” على الملف، في ظل تجاذب واستقطاب للحركات المسلحة.

كما قال تجمع المهنيين التابع للمجلس المركزي لـ”الحرية والتغيير” في بيان الخميس: “تابعنا في تجمع المهنيين السودانيين تصريحات نائب رئيس مجلس السيادة الانقلابي محمد حمدان دقلو والتي أدلى بها خلال زيارتهِ برفقة ما يسمون وزير المالية ووزراء مُكلفين في سلطةِ الانقلاب وعدد من المسؤولين وممثلي رجال الأعمال، و في تقديرنا هي زيارة تفتقر للمعايير الدبلوماسية وتخالف الأعراف الدولية خاصةً في ظل الظروف السياسية والوضع الإقليمي المحتقن؛ في أوروبا وشرقها على وجه التحديد”.

وأضاف: “هذه المواقف تثبت للعالم نهج الحكم العسكري الذي لن يتردد في رهن الموقف السوداني رهن شارة من يمده بالسلاح أو الأموال، في سبيل تمتين نفوذه وتأمين بقائه”، لافتاً إلى طريقة تعامله مع الشؤون الدولية دون مراعاةِ لمصالح شعبه ووضعها في المقام الأول ومواقفه غير الداعمة للشعوب الأخرى والسلام العالمي بما يضمن مصالحها واستقرار وأمن شعوبها بعيداً دعاوى الحروب والاجتياح والتهديد المستمر.

وأكد تجمع المهنيين أن تصريحات حميدتي الداعمة لروسيا لا تمثل السودان وشعب السودان ولا تعبر عن حقيقة رؤيتهم للسياسة الخارجية والعلاقات الدولية التي تجمع السودان بأصدقائهِ وشركائهِ الدوليين والإقليميين وعودتهِ للمجتمع الدولي بعد ثورة ديسمبر المجيدة.

وأشار البيان إلى أن انقلاب 25 أكتوبر/تشرين الأول هزم كل ما حدث من تقدم في ملف العلاقات الخارجية خلال الفترة الانتقالية، بإجراءاته المُتخبطة التي تريد أن تعيد البلاد إلى “حقبٍ مظلمة”.

وشدد على أن مواقف السودان تصاغ عن طريق هياكل الحكم وآليات العمل المعروفة والتي تعبر عن رأي الشعب وتقدم مصالحه وتحترم سيادة الدول الأخرى وشعوبها وتنحاز إلى استقلالية مواقفهم، وليس ما يحدث في ظل الانقلاب.

وأضاف: “نرفض التدخل الروسي في الشأن السوداني ونهب خيراته وتوفيره غطاء دولـياً وحمايةً للسلطة الانقلابية والتعاون معها في مجال التقنيات والتسليح لقمع السودانيين ونضالهم لإسقاط الانقلاب”، مشدداً على أن زيارة حميدتي لموسكو، تعبر عن وجهة الانقلابيين في إعادة السودان لعزلته الدولية القديمة مقابل استمرارهم في السلطة ومدهم “بالأسلحة والذخائر للاستمرار في قتل بنات وأبناء شعبهم”.

وشدد على أن السودان لن يُحكم من موسكو أو غيرها أو من قبل شركاتهم الأمنية، لافتاً إلى أن دعم الدكتاتوريات العسكرية غير مجد.

وتابع: “إذا كان يُجدي لكان نفع “عمر البشير” من قبل والذي زار موسكو في ذات التوقيت قبل أعوام وما نفعتهُ تلك الزيارة والتي طلب فيها الحماية لنظامهِ وأسقطه السودانيون”.

وقال حزب الأمة القومي في بيان، الخميس، بخصوص التطورات في أوكرانيا، إنه يتابع بقلق بالغ وأسف التطورات السلبية في أوكرانيا، وما يتسبب في معاناة وآلام هائلة لعشرات الآلاف من الأسر في المنطقة بأسرها، معتبراً أن ما يحدث في هذا الوقت في أوكرانيا يؤثر على العالم بأسره، ويهدد الأمن والسلام والاستقرار النسبي، ويزيد رقعة المناطق الملتهبة، فضلاً عن إثارة المخاوف من استقطابات عالمية أوسع نطاقا تؤدي حتماً إلى تعقيدات أكبر في السياسة الدولية وتؤثر قطعاً على السودان التي يمر بمخاض صعب في سبيل الحرية والانعتاق.

وأضاف البيان أنه ظلّ موقف حزب الأمة القومي الثابت تجاه العلاقات الدولية هو الدعوة والتشديد على الاستقرار العالمي وحلّ المشكلات بالحوار والنأي عن المواجهات المسلحة والاحتكام للقوانين الدولية، مع التأكيد على وقوف السودان بعيداً عن المحاور والتكتلات الأيديولوجية والسياسية والتبعية، وجعل مصالح البلاد العليا هي الأساس، داعياً الأطراف كافة للاحتكام للحلول العقلانية وتجنيب السكان المحليين ويلات الحرب، وتجنيب الاقتصاد العالمي، بما في ذلك الاقتصاد السوداني.

وحذر حزب الأمة القومي من مغبة اتخاذ قرارات باسم السودان على صعيد العلاقات الدولية تؤدي إلى تعقّيد أزمته الداخلية ولا تصب في مصلحته العليا وتدفع به للدوران في فلك التبعية، مجددا حرصه بناء علاقات متينة مع كل الأطراف الإقليمية والدولية على أساس المصالح والندية ومبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية.

قفزة في الظلام

ووصف رئيس حزب الأمة “الاصلاح والتجديد” مبارك الفاضل في تغريدة على حسابه في تويتر زيارة حميدتي والوفد الوزاري المرافق له والذي يضم قادة حركات مسلحة بالقفزة في الظلام. وقال الفاضل: “لا شك أن زيارة حميدتي والوفد المرافق له إلى موسكو في هذا التوقيت المتزامن مع المواجهة الغربية مع روسيا تعتبر قفزة في الظلام. مشاركة وفد وزاري له في هذه الزيارة يورط معه قيادة القوات المسلحة السودانية التي تسعى للتحالف مع الغرب، روسيا ليست في وضع يمكنها تقديم دعم اقتصادي للسودان”.
وقال الخبير الدبلوماسي، السفير السابق، الرشيد أبو شامة، لـ”القدس العربي” أن قضية الغزو الروسي لأوكرانيا، حساسة جداً ومهمة للولايات المتحدة الأمريكية والغرب، معتبراً تصريحات حميدتي غير مسبوقة وخطأ دبلوماسياً كبيراً، لكنه قلل من حجم الأضرار التي يمكن أن تسببها للبلاد، لجهة إدراك المجتمع الدولي للوضع الراهن في البلاد، في ظل انقسامات داخل العسكريين-قسم في صف حميدتي وآخر الجيش، وأيضاً عدم الوصول لتوافق بين المدنيين.

واعتبر أن حميدتي الخاسر الوحيد من هذه التصريحات والزيارة، رغم أنها كانت بدعوة سبقت التداعيات الأخيرة. وأكد على ضرورة تبرؤ الخارجية السودانية من هذا الموقف، والتأكيد على أنه لا يعبر عن رأي السلطة، وأنها ضد تصرفات روسيا التي لا تتوافق مع القوانين والاتفاقات الدولية، خاصة اتفاقية “مينسك” التي نصت على وقف القتال بين الانفصاليين والجيش الأوكراني وإيجاد حل سياسي للنزاع في شرق أوكرانيا، ووقع عليها في العام 2014، ممثلون عن حكومتي روسيا وأوكرانيا، وعن القوات الانفصالية في دونيتسك ولوغانسك ومنظمة الأمن والتعاون في أوروبا.

كما اعتبر نفي الخارجية لتصريحات حميدتي، محاولة للتعامل الدبلوماسي مع الموقف الحرج الذي وضعت فيه، دون أن تتبرأ من نائب السيادي الموجود في روسيا، مرجحاً أن تتم مساءلته، عند عودته للبلاد، وكذلك وكيل وزارة الخارجية المكلف الذي كان برفقته، وصولاً لإصدار توضيح آخر، من قبل حميدتي يسحب عبره تصريحاته السابقة ويؤكد على سيادة أوكرانيا على أراضيها، أو أن تؤكد الحكومة موقفها الرافض للعدوان في بيان جديد.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.