مسارات
د. أسامة محمد عثمان حمد
يقول تعالي في محكمه تنزيله {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} (56) سورة الذاريات كلما مررت على هذه الآية تبادر الي ذهني لماذا خلق الله البشر هل ليعبدوه فقط وان الله قد خلق الملائكة قبل البشر وهم يعبدونه عبادة مطلقة، والسؤال الاخر الذي يطرح نفسة أيضا كيفية العبادة، وأما قوله تعالى: {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} فقد قيل: إن المعنى لآمرهم وأنهاهم فيعبدوني، وأمره ونهيه سبحانه وتعالى هو ما بعث به رسله، وفي هذا ابتلاء للعباد يكشف به حقائقهم حتى يميز الله الخبيث من الطيب. وهل الحق عز وجل بحاجة إلى عباده لكي يعبدونه وماذا إن لم يعبدونه فهل يضره ذلك شيئا ، لكنه تعالى يحب من عباده أن يعبدوه ويطيعوه، وعبادته هي محبته والذل لـه والافتقار إليه سبحانه، ونفع ذلك عائد إليهم.
إذا كيفية العبادة هنا منتهاها النفع العائد على الخلق من عبادتهم لرب العباد روى الإمام أحمد في مسنده من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: يَا ابْنَ آدَمَ تَفَرَّغْ لِعِبَادَتِي أَمْلَأْ صَدْرَكَ غِنًى وَأَسُدَّ فَقْرَكَ، وَإِلَّا تَفْعَلْ مَلَأْتُ صَدْرَكَ شُغْلًا وَلَمْ أَسُدَّ فَقْرَكَ» فالمتأمل للحديث والاية عاملا فكره الربط بين العبادة والعمل والكيفية وتحقيق النفع على العبد عليه استحضار معنى العبادة الصحيح وليس الخاطئ فمن عبد الله بما يرضيه وشرعه على السنة، فعبادته صحيحة، ومن كانت عبادته لله وفق ما تشتهي نفسه، وما تمليه عليه إرادته أو إرادة آبائه وشيوخه، فعبادته غير صحيحة، ولا مقبولة، بل مردودة عليه، قال تعالى: ﴿ فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ ﴾ (هود: 112) والعبادة الصحيحة التي يقبلها الله هي السير على الصراط المستقيم دون إفراط او تفريط فقد بين تعالى أن الناس في سلوك الصراط المستقيم على ثلاثة أقسام هي :
1.فمن عبد الله على جهل، فقد ضل وغوى، وشرع في الدين ما لم يأذن به الله، وقدوته في ذلك النصارى من أهل الكتاب.
2.ومن علم ولم يعمل، وحرَّف وبدَّل، فقد وقع في غضب الله ولعنته، وقدوته في ذلك اليهود.
3.ومن نجا مما وقعت فيه الطائفتان فتفقه في دين الله، وعلم وعمل، فقد سار على الصراط المستقيم الذي دعا إليه عباده، وعلمهم أن يدعوه به.
لا ريب أننا اقدر فهما ووعيا وإدراكا لمعنى العبادة الصحيحة من مجرد اختزالها في الشعائر ، وتعطيل دور العقل تفكرا وتأملاً بذريعة التوكل المطلق ، مهملين تمام الإهمال القيام بواجب وظيفة إعمار الكون يقول تعالي {وَإِلَىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا ۚ قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ ۖ هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ ۚ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُّجِيبٌ} (هود:61) ، وبالتالي فهو نهج قاصر ، حيث يقوم جوهر فهم العبادة أصلا على قاعدة (اعقل وتوكل). رجوعا لقوله تعالى في الآية السابقة : (هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها فاستغفروه ثم توبوا إليه إن ربي قريب مجيب)، عطفاً علي استعمار الإنسان في الأرض، على إنشاء الإنسان منها، بما يعكس أهمية وظيفة العمارة من وراء إرادة خلق الله تعالى للإنسان، بجانب المهمة الأساسية للخلق، وهي العبادة، على قاعدة (وما خلقت الإنس والجن إلا ليعبدون).ولعلنا نستنتج انه ليس هناك ما يمنع من التوسع، في فهم دلالة وظيفة الإعمار، المكلف بها الإنسان، لتواكب مطلوبات العصر، هي القيام بإحداث عملية التنمية الشاملة المستدامة ، مدنية وتحضرا بجانب القيام بالعيادات تكليفا. وبذلك تكون المسؤولية ، المناطة به ابتداءً في الحياة الدنيا، على قاعدة {وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ۚ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا}( الاسراء36).
هنا لابد من التأمل اكثر والتفكير العميق وتحديدا هو مسئولا عن الربط بين العبادة والكيفية والنفع والامر عبادة منضبطة وإعمار الأرض نتاج لهذه العبادة مما يدلل على مطلوبات سلوك العبد العام وقواعد الانضباط فيمآ يحقق الإعمار وليس الدمار الذي نراه الان واقعا نتاج لبعدنا عن ما أمرنا الله به.