وائل الكردي يكتب:العزلة..

هذا (طرزان) البطل الأسطوري لم يكن ليصبر على حياة الغاب وهو الآدمي لو لم يكن لديه البديل من قبيلة القردة يعيش حياتهم ويأكل طعامهم، والأهم انه يتكلم لغتهم مثلما يتكلمون، فيتجرد حينا عن عزلته البشرية ليحيا بحيوانيته في مجتمع طبيعي..ثم نجحتالسينماالامريكية ايضا في تصوير مأساة فقد الكائن صلته بغيره من ابناء جنسه، فجعلت الرجل المعزول على جزيرة لايقنع بوحدته وسط الطبيعة فاتخذ من حطام طائرته التي سقط بها كرة طبع عليها بدمه صورة وجه ادمي كي يكون له رفيقاً من دون جميع المخلوقات بحسبان انه قد صار فيه شيئا من جنسه البشري..
ان المعزول مكتئب حتما.. وان (الاكتئاب) المدمر لهو عزلة الانسان داخل ذاته وهو وسط الناس فلا فعل ولا رد فعل مع من حوله ومن يعيش بينهم، فهذه عزلة الفرد التي قد تفضي به الى الموت.. ولكن لعل هناك عزلة أشد سوءً من عزلة الفرد هي عزلة المجتمعات حيث يضرب بسياج سميك حول شعب لكي يمتنع عليه التواصل والتعايش مع الشعوب الأخرى، فكما ان الفرد لا يمكن أن يكون إلا اجتماعياً، فكذلك الشعب لا يكون إلا اجتماعيا يخالط من هم غيره من الشعوب المختلفين عنه حتى يستشعر بوعي جمعي قيمة وجوده، فحتما لابد للشعب ان يحيا ويتطور بصلات التبادل الفكري والثقافي والاقتصادي، وقد تلعب سياسات الدول دوراً حاسماً في تحقيق هذه الصلات أو قطعها..
وإن لنا في التاريخ القريب كتاب مقروء، حيث ان من الشعوب من عانوا طويلا من عزلة جبرية مفروضة عليهم حتى باتت لديهم كعقدة نفسية جماعية أو حتى كادوا ان يصابوا برهاب الأماكن المغلقة.. ان العزلة الاجتماعية سجن اكبر واقسى من السجن على الحقيقة، وليس ادل على ذلك من قصة الثلاثة المخلفين في عهد النبي صلى الله عليه وسلم قد قاطعهم الناس اجمعين حتى ضاقت عليهم الارض بما رحبت الى ان نزل فيهم امر الله. ولعل المثل البارز لعزلة المجتمعات في عصرنا الراهن هو شعب (روسيا) الذي عانى العزلة الشديدة القسوة في عهد الاتحاد السوفياتي، فلكي يبني الشيوعيون السوفييت جنتهم على الأرض على رقاب العباد ضربوا سياجاً خرسانيا منيعا لا تنفذ منه شعوبهم الى حيث شعوب العالم الاخرى فلا صناعات مستوردة ولا ثقافات متداخلة ولا دعاية متبادلة ولا تعليم متحد ولا اسواق مشتركة للمنتجات والسلع إلا فقط تلك التي تفرضها السلطة السوفيتية باسم الماركسية اللينينية، حتى لقد كان رجل الاعمال من عندنا عندما يذهب لعقد صفقات تجارية في احدى دول الاتحاد السوفياتي يحمل معه سلع وبضائع رمزية وقد تكون تافهة نوعا ما من صناعات اوروبا الغربية او امريكا وهي محظور على المواطنين السوفيت شرائها وتداولها بأنفسهم، فعندما يقدمها لهم كهدايا سراً فانهم يفتحون امامه كل ابوابهم، ولا غرابة، فكل ممنوع هو مرغوب.. دامت هذه الحال لنحو سبعين سنة او تزيد حتى ضجت تلك الشعوب في عزلتها، وتكون لديهم وجدان ثوري عام لرفض هذا القيد المضروب عليهم، وعند اول فرصة سمحت بها (بيروسترويكا جورباتشوف) انفجر الناس بالثورة غير عابئين بأي سلاح مصوب نحوهم، فانهارت الاسوار وانطلقت شعوب روسيا وشرق اوروبا لتحرير بلدانهم وتفكيك الاتحاد السوفيتي الصارم واندفعوا اندفاعا نحو الغرب الممنوع.. حدث هذا في العام 1990م.. ثم وقعت روسيا غصبا في عزلة جديدة كما العالم اجمع بوباء (كوفيد 19) والذي ربما كانت عزلته اشد وطأً على روسيا من غيرها لانها لم تمكث غير قليل منذ خرجت من عزلتها السابقة في الاتحاد السوفياتي.. واليوم في العام 2022م تكاد روسيا تغرق في عزلة جديدة اشد قسوة من سابقاتها بحربها التى اضرمتها الحكومة الروسية بغير ارادة الشعب ضد اوكرانيا فصارت رهن فرض العقوبات الاقتصادية العالمية الامر الذي سيغلق المجتمع الروسي على نفسه مرة اخرى.. ولكن الرهان هنا على الشعب الروسي نفسه ان يغير بارادته وبتجربته التاريخية في العزلة موازيين حكومته المتطلعة والآمرة عليه مهما كانت دعايتها التبريرية لهذه الحرب .. فإن من ذاق السجن مرة لن يرضى بالعودة اليه من جديد ولو كان سجنا باردا.. كيف لا وهناك اعظم روائيي روسيا (انطون تشيخوف) قد قال ان الروسي رجل يقهر العزلة بأن كتب عن رهان السجين الذي وضع نفسه باختياره في السجن خمسة عشر سنة ليكون فيها في عزلة تامة، ولكنه رغم سجنه كسر عزلته في خاطره كل لحظة يقرأ فيها كتابا جديدا فعاش حرا طليقا مع كل شعوب الدنيا، خاطبهم بلغاتهم، عشق وكره وصادق وعادى وحارب وسالم وطاف بلادا وبحورا واحس بحرارة الصيف وبرودة الشتاء ووقع المطر.. كل هذا كان يعيشه في خياله الذي خلقته له الكتب التي اطلع فيها على علوم العالمين وادابهم اثناء سجنه.. ونحسب ان الشعب الروسي اليوم هو بطل الرهان الجديد اذا ما قام بالثورة ضد من ادخلوه في العزلة الجديدة فلا نحسبه يطيقها وقد لدغ منها من قبل..
ان الشعب دوما، وفي اي مكان، هو الفرس الرابح.. قد يكبو تارة، ولكنه ينهض ويعدو، ثم يكون له السبق.. فليتقي الملوك إذن غضبة الشعوب.

تصفّح المقالات

Comments (0)
Add Comment